29 - 08 - 2025

مؤشرات | جهل هذا الـ "باراك" ومطلب الاعتذار المباشر

مؤشرات | جهل هذا الـ

في فترة من سنوات العمل بالصحافة كنت ضمن فريق استشاري إعلامي لمسؤول كبير في منصب رفيع، كانت من ضمن مهام عملنا أن نتوقع الأسئلة الذي يطرحها الصحفيون والإعلاميون، وكيفية الرد عليها، حال عدم وجود معلومات عن السؤال المطروح، أو إذا كان حول قضية حساسة، أو إذا كانت المعلومات ستضر بالأمن القومي، أو تؤدي إلى أزمات مع دول أخرى.

والأهم أيضا في مهام فريق العمل الاستشاري الإعلامي، كيفية التعامل مع الأسئلة المحرجة، وتجنب اصدار كلمات قد تؤدي إلى أزمات وجدل مع الصحافة والإعلام، والردود على الأسئلة الحساسة سياسيا ودبلوماسيا واقتصاديا، بإجابات مفتوحة لكل الاحتمالات.

أذكر هذا بمناسبة الإساءة التي ارتكبها المبعوث الأمريكي "توم باراك"، في قلب القصر الرئاسي اللبناني في حق الصحفيين والصحافة، واستخدام لفظ "الحيواني" على تصرفات الصحفيين خلال مؤتمر صحفي، في توقيت تشهد فيه المنطقة أحداثاً ساخنة في ظل انحياز أمريكي مفضوح للجانب الإسرائيلي، والبحث عن توضيحات شافية عما يجري من عدوان على سكان غزة، ومقتل عدد كبير من الصحفيين عن عمد.

واضح أن مثل هؤلاء المبعوثين لم يتم تدريبهم على التعامل الدبلوماسي مع الصحافة، ولا حتى مع المسؤولين في منطقتنا، وتركهم للاجتهاد، وليس هناك فريق علاقات عامة وإعلامية معنى بثقافات المنطقة، فهذا المبعوث "الترامبي" الهوى والثقافة، وغيره يتعاملون مع المنطقة، وكأنها "الوسية" التي تركها لهم أبائهم.

وتفسيري أن هذا التعامل المخزي من "توم باراك" مع الصحفيين لم يأت من فراغ، بل هو نتاج طبيعي لمعرفتهم بردود الفعل الضعيفة على السياسات الأمريكية في المنطقة، ومواقفها تجاه قضايا المنطقة، وخصوصا من هذا العدوان المستمر والوحشي من جانب العدو الإسرائيلي على غزة وغيرها، مع تأييد أمريكي فاضح، وردود فعل عربية دون مستوى الحدث.

المثير أيضاً أن "توم باراك"، تراخي في الاعتذار المباشر عن خطئه وهو أقل مطلب، وجاء اعتذاره على مضض، وبشكل غير مباشر، ومن خلال مقابلة مع الإعلامي "ماريو نافال" على منصة "إكس"، فيما كان الأقل الاعتذار رسمياً، ومن خلاله وليس رداً على سؤال، بل كان الأهم والأفضل، أن يأتي اعتذارا من الرئاسة الأمريكية التي عينته ليكون مبعوثها في المنطقة، دون أن يحقق نتائج ملموسة.

وهذا التراخي في الاعتذار هو جزء طبيعي من سياسة أمريكية، حفظت وتدرك ردود الفعل العربية على أخطائها، وادعي أنه لن يقصد الإهانة أو الإساءة، وقال "كنت أحاول فقط أن أقول: هل يمكننا أن نهدأ قليلا؟ هل يمكننا أن نُظهر شيئا من التسامح واللطف؟ نعم، دعونا نتحلّى بالتحضّر، وعلى استحياء أضاف" لكن ما قلته لم يكن مناسبا في وقت كان فيه الإعلام يقوم بعمله".

صحيح أن "توم باراك"، قال: "أنا أدرك، أكثر من أي شخص آخر، أن هذه الأمور معقدة وصعب، ومن النادر أن تتاح للصحفيين فرصة التحدث مع من يتخذون القرار فعلا، وكان يجدر بي أن أكون أكثر كرما في وقتي، وأكثر تسامحا في موقفي".

ولكن الأجدر أن يصدر توضيح من الحكومة الأمريكية، حول ما جرى، ولابد من طلب جماعي بهذا، فالمبعوث الأمريكي لا يمثل نفسه، بل يمثل دولة ومن المفترض أن تكون وسيط سلام في المنطقة، فالاعتذار من سمات الدبلوماسية.

وأعود لما بدأت به في مقدمة هذا المقال، عن نصائح الفريق الإعلامي للمسؤول العربي، ففي ذات مرة قال هذا المسؤول في اجتماع تمهيدي لمؤتمر صحفي إن أسئلة "......"، -وعدّدَّ ثلاث أسماء عربية وأجنبية-، تكون بهدف معين وربما لخدمة أطراف، واختلف الفريق الاستشاري حول كيفية التعامل مع هذه الحالة، ووصل الأمر إلى أن البعض اقترح تجنب الإجابة وإعطاء السؤال لصحفي آخر وسريعاَ، وكان رأيي ضرورة الإجابة برد دبلوماسي مع معلومات حول القضية، خاصة ما يتعلق في هذا الوقت بالغزو الأمريكي للعراق، ومع من تقف الدولة؟، ودخول إسرائيل على الخط، ومشاركتها في فعاليات دولية على أرض الدولة، واتفقنا على إجابة مفتوحة، وقد كان ما حدث بالفعل.

وفي إحدى الوقائع كان هذا المسؤول يجري حواراً مع صحفي أجنبي معروف، وجاء من الأسئلة سؤال حول حقوق الإنسان، وعلاقتها باستخدام أطفال في سباق "الهجن" "سباق الجمال"، وكان السؤال عنيفاً، وصدرت كلمات من المسؤول كادت تتحول إلى أزمة، إلا أن المعالجة كانت ضرورية وفي وقتها، قبل أن ينتهي الحوار، وحدث التفاهم، والتوضيح للفرق بين اتهام دولة بالإتجار بالبشر، ومهام مؤسسات وهيئات شبه خاصة تدير سباق "الهجن".
--------------------------
بقلم: 
محمود الحضري


مقالات اخرى للكاتب

مؤشرات | جهل هذا الـ